والمسح إمساس المحل الماء بحيث لا يسيل ، والباء في قوله تعالى: {بِرُؤُوسِكُمْ} تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق ، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم قال الزمخشري: وماسح بعض الرأس ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه . أي: فيكون الواجب مطلق المسح كلاً أو بعضاً - وأيّاً ما كان - وقع به الامتثال . والسنة الصحيحة وردت بالبيان ، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة ، أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة ، أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر . وهذه هي الهيئة التي استمرّ عليهما صلى الله عليه وسلم . فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان صلى الله عليه وسلم يداوم عليها . وهي: مسح الرأس مقبلاّ ومدبراً . وإجزاء غيرها في بعض الأحوال . ولا يخفى أن الآية لا تفيد إيقاع المسح على جميع الرأس . كما في نظائره من الأفعال . نحو: ضربت رأس زيد ، وبرأسه . وضربت زيداً وضربت يد زيد . فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك ، بوجود الضرب على جزءٍ من الأجزاء المذكورة . وهكذا ما في الآية . وليس النزاع في مسمى الرأس لغة ، حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه . بل النزاع في إيقاع المسح عليه . وعلى فرض الإجمال ، فقد بينه الشارع تارةً بمسح الجميع ، وتارةً بمسح البعض ، بخلاف الوجه . فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال ، بل غسله جميعاً . وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية . فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلث به . قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال (مسحت الثوب أو بالثوب . أو مسحت الحائط أو بالحائط) على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط . وإنكار مثل هذا مكابرة . كذا في"الروضة".