وثالثها: إن الإنسان مع اختصاصه بقوة حمل الأمانة وانجذابه العناية خلق ضعفاً عند سطوات تجلي الصفات ومن صفات الله تعالى، ألم تر كيف كان حال موسى عليه السلام {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً} [الأعراف: 143] .
ورابعها: إن الصبر عن الله وإن كان شديداً، فالصبر مع الله أشد وأشد؛ لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ونقصان هذا الضعف فيه بكمال قوة سطوة تجلي ربه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه؛ لضعف خلقته، فكان عند استغراق الشهود وغلبات الأحوال يقول:"كلميني يا حميراء"، أو كان النبي يقول:"لا معك قرار ولا منك فرار المستعان منك بك إليك".
واعلم أن الضعف مخصوص بالإنسان وهو سبب كماله وسعادته، وسبب نقصانه وشقاوته، يتغير من ضعفه من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى، فيكون ساعة بصفة بهيمية يأكل ويشرب ويجامع، ويكون ساعة أخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له، ويفعل ما يؤمر ولا يعصي فيما نهاه عنه، وهذه التغيرات من نتائج ضعفه، وليس هذا الاستعداد لغيره، حتى الملك لا يقدر أن يتصف بصفات البهيمية، والبهيمية لا تقدر أن تتصف بصفات الملك؛ لعدم ضعف الإنسانية، وإنما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه بصفات الله تعالى، كما جاء في الحديث الرباني:
"أنا ملك حي لا يموت أبداً، عبدي أطعني أجعلك حياً ملكاً لا تموت أبداً"، فعند هذا الكمال يكون خير البرية، وعند اتصافه بصفات البهيمية يصير شر البرية، فافهم جيداً.