وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أي: ونفخة منه، لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله، لأنه بأمره كان. وسمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. قال - تعالى -: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ.
وقيل المراد بقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أي: وذو روح من أمر الله، لأنه - سبحانه - خلقه كما يخلق سائر الأرواح.
وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة. كما في قوله - تعالى - وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي: برحمة منه. وصدر - سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما) للتنبيه على أن عيسى - عليه السلام - ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق.
وذكره - سبحانه - بلقبه وباسمه وببنوته لمريم، للإشارة إلى أنه إنسان كسائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود خرج من رحم أنثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي: خلقه بكلمة منه وهي (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التي تجرى بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته (كن) وبذلك سمى كلمة الله.
وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته - تعلق باطل - فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى من الرجل يمنى ....
وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أي أنه - سبحانه - أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال: إنه نشأ بروح منه - سبحانه - أي: أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال - تعالى -: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ.