والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى - يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا: ينهى - سبحانه - أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال - تعالى - اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقوله: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع الذي افتروه على الله.
أي: لا تصفوه - سبحانه - بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه - سبحانه - إلا القول الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح.
وعدى - سبحانه - قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب، فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه.
ثم بين - سبحانه - القول الفصل في شأن عيسى فقال. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
أي: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله - سبحانه - لهداية الناس إلى الحق، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي: أن عيسى مكون ومخلوق بكلمة من الله وهي كلمة (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ألقاها - سبحانه - إلى مريم، أي: أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله بشرا سويا.