ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة في شأن عيسى - عليه السلام - وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت المستكبرين بالعذاب الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول:
[سورة النساء (4) : الآيات 171 إلى 175]
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ...(171)
وقوله: لا تَغْلُوا أي: لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من الغلو، وهو - كما يقول القرطبي - التجاوز في الحد ومنه: غلا السعر يغلو غلاء. وغلا الرجل في الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها - أي: أترابها - .
وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا في شأن عيسى. أما اليهود فقد أنكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هي منه بريئة.
وأما النصارى فقد رفعوا عيسى - عليه السلام - إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية، واعتبره بعضهم إلها، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
والمعنى: يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول في شأن دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذي شرعه الله - تعالى - ، وارتضته العقول السليمة.
وقد ناداهم - سبحانه - بعنوان أهل الكتاب. للتعريض بهم، حيث إنهم خالفوا كتبهم التي بين أيديهم.