ذلك بضرورة العقل وأوله لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون ذلك بوحي إعلام وتوقيف منه تعالى وإما بطبع مركب فيهم يقتضي لهم ما علموا من ذلك وما صنعوا فإن كان بوحي إعلام وتوقيف فقد صحت النبوة لجميعهم إذ ليست النبوة معنى غير هذا وهذه دعوى ممن قال بهذا القول بلا دليل وما لا دليل عليه فهو باطل لا يجوز القول به لاسيما والقائلون بها منكرون للنبوة فلاح تناقض قولهم وإن كان كل ذلك عن طبيعة تقتضي لهم كونهم عالمين بالعلوم متكلمين باللغة متصرفين في الصناعات بلا تعليم ولا توقيف فهذا محال ضرورة وممتنع في العقل وفي الطبيعة إذ لو كان ذلك لوجدوا أبداً كذلك إذ الطبيعة واحدة لا تختلف وبالضرورة ندري أنه لا يوجد أحد أبداً في شيء من الأزمان ولا في مكان أصلاً يأتي بعلم من العلوم لم يعلمه إياه أحد ولا يتكلم بلغة لم يعلمه إياها أحد ولا بصناعة من الصناعات لم يوقفه عليها أحد. وبرهان ذلك ما قدمنا قبل من أن البلاد التي ليست فيها العلوم وأكثر الصناعات كأرض الصقالبة والسودان والبوادي التي في خلال المدن ليس يوجد فيها أبداً أحد يدري شيئاً من العلوم ولا من الصناعات حتى يعلمه ذلك معلم وأنه لا ينطق أحد حتى يعلمه معلم فظهر فساد هذا القول ببرهان وقبل البرهان بتعريه من البرهان. انتهى انتهى. {الفصل في الملل والأهواء والنحل/ لابن حزم حـ 1 صـ 55 - 62}