وَقِيلَ إنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنْ مَشِيحٍ كَتَعْرِيبِ مُوسَى عَنْ مُوشَى ، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا ، وَكَذَلِكَ الدَّجَّالُ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ جَهَلَةُ يَتَوَسَّمُونَ بِالْعِلْمِ ، فَجَعَلُوا الدَّجَّالَ مُشَدَّدَ السِّينِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ ، إنَّ الْأُوَلَ قَالُوا هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَسِيحُ الْهُدَى الصَّالِحُ السَّلِيمُ ، وَالْآخَرُ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ الْكَافِرُ ، فَاعْلَمُوهُ تَرْشُدُوا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ: الْأُولَى: أَنَّهَا نَفْخَةٌ نَفَخَهَا جِبْرِيلُ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ، وَسُمِّيَتْ النَّفْخَةُ رُوحًا لِأَنَّهَا تَكُونُ عَنْ الرِّيحِ.
الثَّانِي: أَنَّ الرُّوحَ الْحَيَاةُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكَلَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى رُوحٍ رَحْمَةٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الرُّوحَ صُورَةٌ ؛ لِمَا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَصَوَّرَهُمْ ، ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى.
ثُمَّ أَنْشَأَهُمْ كَرَّةً أَطْوَارًا ، أَوْ جَعَلَ لَهُمْ الدُّنْيَا قَرَارًا ؛ فَعِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ أَدْخَلَهُ فِي مَرْيَمَ.
وَاخْتَارَ هَذَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ.
وَقِيلَ فِي الْخَامِسِ: رُوحُ صُورَةٍ صَوَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَجَّهَهَا فِي مَرْيَمَ.
وَقِيلَ فِي السَّادِسِ: سِرُّ رُوحٍ مِنْهُ يَعْنِي جِبْرِيلَ ، وَهُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَلْقَاهَا إلَيْهِ رُوحٌ مِنْهُ أَيْ إلْقَاءٌ الْكَلِمَةِ كَانَ مِنْ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ.