يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فَصَدِّقُوا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ , وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ , وَصَدِّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَفِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ , وَلَا وَلَدَ لَهُ.
{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ}
يَعْنِي: وَلَا تَقُولُوا الْأَرْبَابُ ثَلَاثَةٌ. ورُفِعَتِ الثَّلَاثَةُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ , وَهُوَ هُمْ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْلَ حِكَايَةٌ , وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْحِكَايَةِ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوعٍ بَعْدَ الْقَوْلِ لَا رَافِعَ مَعَهُ , فَفِيهِ إِضْمَارُ اسْمٍ رَافِعٍ لِذَلِكَ الِاسْمِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلِهِمُ الْعَظِيمِ الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّهِ: انْتَهُوا أَيُّهَا الْقَائِلُونَ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ عَمَّا تَقُولُونَ مِنَ الزُّورِ وَالشَّكِّ بِاللَّهِ , فَإِنَّ الِانْتِهَاءَ عَنْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ قِيلِهِ , لِمَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ الْعَاجِلِ لَكُمْ عَلَى قِيلِكُمْ ذَلِكَ , إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْأَجَلِ فِي مَعَادِكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} مَا اللَّهُ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ: اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ كَمَا تَقُولُونَ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَةٌ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَعْبُودًا , وَلَكِنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ وَالْعِبَادَةُ , إِلَهٌ وَاحِدٌ مَعْبُودٌ , لَا وَلَدَ لَهُ , وَلَا وَالِدَ , وَلَا صَاحِبَةَ , وَلَا شَرِيكَ. ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَةُ بِهِ , فَقَالَ: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}