دَلَّتِ الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَا يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِمُخَالَفَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ إِلَّا إِذَا بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُمْ ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّتُهُمْ ; لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ وَضْعِيٌّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِتَحَقُّقِ الْوَضْعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ هُوَ عَلَيْهِ . كَذَلِكَ تَدُلُّ آيَاتٌ أُخْرَى عَلَى الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ الْعَامِّ بِالْقِسْطِ عَلَى حَسَبِ تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ فِي النُّفُوسِ ، فَمَنْ دَسَّى نَفْسَهُ وَأَبْسَلَهَا ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللهِ كَمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ وَأَسْلَمَهَا ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَاقِلٌ: إِنَّ نُفُوسَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ الصَّحِيحَةُ تَكُونُ سَوَاءً مَهْمَا اخْتَلَفَتْ عَقَائِدُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ ، فَإِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ وَإِدْرَاكِ الْحِسِّ ، إِذْ لَمْ تُوجَدْ وَلَا تُوجَدُ أُمَّةٌ إِلَّا وَفِيهَا الصَّالِحُونَ وَالطَّالِحُونَ وَالْأَبْرَارُ وَالْفُجَّارُ ، وَالَّذِينَ يُؤْثِرُونَ مَا يَرَوْنَهُ مِنَ الْهُدَى عَلَى دَاعِيَةِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى وَالْعَكْسُ . فَهَلْ يَكُونُ الْفَرِيقَانِ عِنْدَ الْحُكْمِ الْعَدْلِ سَوَاءً ؟ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ (5: 100) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (11: 24) .