لكن الفلاسفة أدخلوا التصور في التعقل . ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبداً ولا مطلوبه . بل لأ بد أن يبلغ عن نفسه ، فإذا انشغل العقل بأن هذا الكون العظيم لا بد له من قوة خالقة ، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها؟ . وإذا ما جاء رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة الخالقة اسمها الله . هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن تعرفه ، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجيء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه ؛ لأن الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير مَن خلق الكون بهذه الدقة ، وما هي مطلوبات هذه القوة؟
ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل اللغز الشاغل للبال . ولذلك نرى الإمام عليا - كرم الله وجهه - أمام سؤال من أحدهم:
-أعرفت محمداً بربك؟ أم عرفت ربك بمحمد؟ .
فأجاب الإمام عليّ وكان باب العلم: لو عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي ، ولو عرفت محمداً بربي لما احتجت إلى رسول ، ولكني عرفت ربي بربي وجاء محمد فيبلغني مراد ربي مني .
هكذا حدد لنا سيدنا عليّ المسألة . . فالعقل الفطري يؤمن بقوة مبهمة وراء هذا الكون هي التي خلقت وهي التي رزقت وهي التي أمدت بقيوميتها وقدرتها ، وبعد ذلك تجيء الرسل من أجل تعريفنا باسم القوة ومطلوبها منا .
والذين يختلفون حول دور العقل في الحجة ودور الرسول في الحجة ، عليهم ألا يتوهوا في متاهات نحن في غنى عنها ؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون الحجة بمفرده ، والرسول إنما هو مبلغ عن القوة ، وقد يقول قائل: إذن لابد لكل رسول من رسول ، وقد يبلغ التفلسف الطريق المسدود .