ولم يأت إلى أم موسى رسول يُوحى إليها . لكن الأمر قد استقر في ذهنها ، وقد تعب العلماء كثيراً ليقربوا معنى الوحي لأذهاننا ، فقالوا عنه: إنه عرفان يجده الإنسان في نفسه ولا يعرف مصدره ، ومع هذا العرفان دليل أنه من الله . ولذلك لا يطلب العقل عليه دليلاً . والذي يصّدق على هذا هو أننا سمعنا قول الحق: {وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم} .
وبالله عليكم ، اجمعوا الدنيا كلها وقولوا لامرأة: إن خفت على ابنك فألقيه في البحر ، هل تصدق الأم ذلك؟! لا يمكن ، لكن أم موسى أخذت هذا الأمر كقضية مسلم بها ، فساعة دخل الإيحاء من الله إلى قلبها ، أو الإعلام بخفاء إلى وجدانها آمنت به ، وما دام الإعلام من الله فلا شيطان يزاحمه ، بل يدخل إلى النفس فتستقبله استقبال اليقين والإيمان بلا مناقشة . وألقت أم موسى بابنها بعد أن أرضعته . وأراد الله أن يطمئنها . فأوضح لها: أَنَا أصدرت الأمر إلى البحر ليلقي الرضيع إلى الساحل . وأصدرت الأوامر ليلتقطه العدو فرعون .
وأصدرت الأوامر أن يقوم بيت فرعون بتربيته .
وبعد ذلك هناك وحي للحواريين . يقول الله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111]
وهناك وحي للملائكة كقول الحق: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} [الأنفال: 12]
الوحي ينتظم ويشمل - إذن - كل أجناس الوجود بطريقة خفية عند عالم خفي عنا ، وهم الملائكة ، وعالم ملحوظ لنا ولأمثالنا مثل الحواريين ، ومثل أم موسى .