.. قال الإمام بعد نقد أسانيد تلك الروايات: .. ثم إنا نقول بعد ذلك فإن صحت هذه الرواية وكانت على ما يدعون ظاهرة معلومة في الصحابة مشتهرة فيهم فقد بطل بذلك قولهم إن الصحابة جهلت وحرفت وأثبتت في المصحف ما لا علم لها بصوابه من خطئه لأجل أن عثمان قد عرف اللحن والخطأ وذكر ذلك عن نفسه، ولو لم يعرفه لما ذكره ونبه عليه. وكذلك سائر الصحابة يجب أن تكون قد عرفت هذا اللحن والخطأ إن كانت هذه الرواية عن عثمان مشهورة فيهم عنه لأجل أنهم أهل الفصاحة واللسن والمعرفة بوجوه العربية وضروب الخطاب والتصرف في الكلام واللغة لغتهم، وإنما أنزل القرآن بلسانهم وفيهم، وليس يقصر الخلق الكثير والدهماء منهم في الفصاحة والمعرفة بلسان العرب والجائز فيه وغير الجائز عن منزلة عثمان، بل فيهم من قد قيل إنه أفصح منه وأكثر انبساطاً وتصرفاً في معرفة اللسان والقدرة على التكلم به، فإذا اشتهر فيهم قول عثمان إن في القرآن لحنا وإنه من خطأ الكاتب فلم يحفظ أن أحداً أنكر ذلك على عثمان وعائشة أو عارض فيه أو احتج فيه أو رده أو قدح فيه بوجه من وجوه الطعن، علم بذلك أنهم لم يمسكوا عن المعارضة في هذا الأمر العظيم إلا لعلمهم بصواب ما قاله عثمان ومعرفتهم بذلك، ولولا هذا لانكروا هذا القول وردوه ولم يكن في موضع العادة أن لا يقدح قادح منهم في هذا القول مع اعتقادهم خطأ قائله وصحة ما نسبه إلى الخطأ واللحن. ولو رد هذا منهم راد وقدح فيه قادح لوجب في مستقر العادة ظهور رده وقدحه وأن يعلم في الجملة أن ذلك أمر قد روي كما روي ما هو قدح فيه من قبل عثمان وإذا لم يكن ذلك كذلك ثبت أن هذا القول كان مسلما في الصحابة وغير مردود إن كان قد ثبت صحة هذه الرواية وظهورها في الصحابة على ما يدعون.