إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره من مقاصد خطبة الكسوف.
قوله:"فقال: إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد"سبب هذا القول ما في رواية:"إن ابنًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له: إبراهيم مات، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم" [1] . وفيه روايات.
قوله:"ولا لحياته"قال الحافظ ابن حجر [2] : استشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في ظن أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة.
قال [3] : والجواب أن فائدة ذكر الحياة وقع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمّم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. انتهى.
قلت: كنت كتبت على هامش"الفتح"على هذا الكلام ما لفظه: فيه بحثان؛ الأول: أن القائلين كسفت الشمس لموت إبراهيم جعلوا الكسوف سببًا عن موته لا سببًا له كما قاله، ولفظ الحديث [304 ب] صريح في ذلك، أعني قولهم: كسفت لموت فلان، أي: سبب عن موته كسوف الشمس.
البحث الثاني: أن القول بأنه يكون الكسوف سببًا للإيجاد، كما قال: أنه لدفعه يريد: ولا لحياته, قول لا تعرفه العرب ولا غيرهم ولا مناسبة لذلك أصلًا، فإنه إنما فصّل لهم تخيل
(1) أخرج أحمد (4/ 249، 253) ، والبخاري رقم (106) ، ومسلم رقم (29/ 915) ، عن المغيرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عَزَّ وَجَلَّ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"فإذا رأيتموهما فادعوا الله تعالى، وصلُّوا حتى ينجلي"، وهو حديث صحيح."
(2) في"الفتح" (2/ 529) .
(3) في"الفتح" (2/ 529) .