"أما في المدينة فقد كان الأمر مختلفا جدا . فالنبي (صلى الله عليه وسلم) استطاع قبل أن يهاجر إليها أن يكسب أنصارا أقوياء من الأوس والخزرج ; ولم يهاجر إلا بعد أن استوثق من موقفه , ولم يبق تقريبا بيت عربي فيها لم يدخله الإسلام . ففي هذه الحالة لم يكن من الهين أن يقف الذين لم يؤمنوا به - إما عن جهالة وغباء , وإما عن غيظ وحقد وعناد , لأنهم رأوا في قدوم النبي حدا لنفوذهم وسلطانهم - موقف الجحود والعداء العلني للنبي والمسلمين من المهاجرين والأنصار ; وكان للعصبية في الوقت نفسه أثر غير قليل في عدم الوقوف هذا الموقف , لأن سواد الأوس والخزرج أصبحوا أنصار النبي , ومرتبطين به بمواثيق الدفاع والنصر , إلى أن جلهم قد حسن إسلامهم , وغدوا يرون في النبي رسول الله , وقائدهم الأعلى الواجب الطاعة , ومرشدهم الأعظم الواجب الاتباع , فلم يكن يسع الذين ظلت تغلبهم نزعة الشرك , ويتحكم فيهم مرض القلب والمكابرة والحقد , ويحملهم ذلك على مناوأة النبي (صلى الله عليه وسلم) ودعوته ونفوذه - أن يظهروا علنا في نزعتهموعدائهم , ولم يكن أمامهم إلا التظاهر بالإسلام , والقيام بأركانه , والتضامن مع قبائلهم . وجعل مكرهم وكيدهم ودسهم ومؤامراتهم بأسلوب المراوغة والخداع والتمويه , وإذا كانوا وقفوا أحيانا مواقف علنية فيها كيد ودس , وعليها طابع من النفاق بارز , فإنما كان هذا منهم في بعض الظروف والأزمات الحادة التي كانت تحدق بالنبي والمسلمين , والتي كانوا يتخذونها حجة لتلك المواقف بداعي المصلحة والمنطق والاحتياط ; ولم يكونوا على كل حال يعترفون بالكفر أو النفاق , غير أن نفاقهم وكفرهم ومواقفهم في الكيد والدس والتآمر لم تكن لتخفى على النبي (صلى الله عليه وسلم) والمخلصين من أصحابه من المهاجرين والأنصار , كما أن المواقف العلنية التي كانوا يقفونها في فرص الأزمات كانت مما تزيد كفرهم ونفاقهم فضيحة ومقتا . وقد كانت الآيات"