"وعلة ظهور تلك الحركة في المدينة واضحة , فالنبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون الأولون في مكة لم يكونوا من القوة والنفوذ في حالة تستدعي وجود فئة من الناس ترهبهم أو ترجو خيرهم , فتتملقهم وتتزلف إليهم في الظاهر , وتتآمر عليهم وتكيد لهم وتمكر بهم في الخفاء , كما كان شأن المنافقين بوجه عام . ولقد كان أهل مكة وزعماؤها خاصة يناوئون النبي جهارا , ويتناولون من استطاعوا من المسلمين بالأذى الشديد , ويقاومون الدعوة بكل وسيلة دون ما تحرز أو تحفظ ; وكانت القوة لهم حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة فرارا بدينهم ودمهم إلى الحبشة أولا , ثم إلى يثرب ; وحتى فتن بعضهم عن دينه بالعنف والإكراه , أو بالإغراء والتهويش ; وحتى تزلزل بعضهم وتبرم ونافق المشركين , وحتى مات بعض من ناله الأذى ممن ثبت على دينه نتيجة للتعذيب ..."