{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} [الجمعة: 8] يعني: أنتم تفرون من الموت الاختياري، والموت الاضطراري الذي هو ملاقيكم لا محالة {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8] في الشهادة باستيفاء حظوظهم على وفق الهوى وفي الغيبة باستعداد الوارد السري والمعارف التي حصلت لكم في سلوككم في الباطل، وكسب الشهوات النفسانية العاجلة {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا نوديتم للتقرب إلى حضر الرب، والرجوع إليه من يوم الجمعة في مقام الجمع في مسجد جامع القلب بالوارد الخفي؛ فاسعوا إلى ذكر الله القلبي السري الخفي وذروا كسبكم في سوق القالب بمتاع الحياة الدنيوية النفسية بالاشتغال بالذكر القلبي والسري والخفي في تلك الساعة، وترك الأعمال البدنية والذكر اللساني، {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] حقيقة هذا الحال؛ لأن الأعمال البدنية كانت معبرة لاستجلاب هذا الوقت، فإذا دخل الوقت المطلوب اشتغالك بأسباب وإعراضك عن المقصود يكون في ركاكة العقل، ودناءة الهمة، وخساسة النفس، ويكون مثلك مثل شخص يطلبه السلطان لترقبه إليه، ويجعله نديمه، ويشيره وهو يقول: دعوني لأن أغرس للسلطان شجرة في البستان، وأجتني ثمراتها، وآتي بها إلى السلطان، كيف يضحك أولو الألباب من قلة عقله؟ وكيف يسقط من عين السلطان لدناءة همته؟ والذي نقل عن المشايخ أنهم قالوا: صاحب الورد ملعون لأجل هذا السر، قالوا: لأن الورد معتبر ليحصل منه الوارد، فإذا جاء الوارد وهو يدفعه بورده لا يكون إلا من المبعدين من حضرة الرب، وهم أيضاً قالوا: لا وارد لمن لا ورد