وقد اختار الله هذه الأُمة الأُمية؛ ليكون الرسول منهم؛ لأَنهم أَهل شجاعة وهمة، قادرون على الثبات أَمام الأَهوال، ولتظهر بهم قدرة الله، حيث حوَّل جاهليتهم إِلى علم وعرفان، يفوق ما عرفه البشر من العلوم والفنون.
وكان كل رسول يبعث إِلى قومه خاصة، ولكن محمدًا الرسول الأُميّ بُعث إِلى الناس كافة، فدان لرسالته العرب والفُرس والرُّومان وغيرهم من أَهل المشارق والمغارب، فسبحان الله القادر على ما يشاء.
وقد عينت الآية الأُمة التي بعث منها، ولم تعين الأُمم الذين أُرسل إِليهم؛ ليفهم من ذلك أَن رسالته مفتوحة لا محدودة، وقد علم عموم بعثته للعالم من قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ، وقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .... ) .
والمعنى الإِجمالي للآية: هو الله الذي بعث في الأُمِّيَّين رسولًا منهم أُمِّيًّا مثلهم، يتلو عليهم آياته التي سمعها ووعاها من جبريل أَمين الوحي الإِلهي، ويُعَلِّم هؤلاءِ الأُمِّيَّن هذا الكتاب فيقرؤه عليهم فيحفظونه لصفاءِ فطرتهم وقوة حفظهم، ويكتبه الكتّاب منهم ويعلمهم السنة التي تشتمل على مختلف أَنواع الحكم الشرعية والنقلية والعقلية كأَسرار الكون ودلالتها على المكوّن - سبحانه وتعالى - ويطهرهم من عقائد الجاهلية وأَخلاقها، وعاداتها، وإِنهم كانوا من قبل بعثه فيهم لفي ضلال عن الحق بيِّن واضح.
3 - {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) } :
لفظ (وَآخَرِينَ) على لفظ الأُمِّيِّين أَو على الضمير في (يُعَلِّمُهُمْ، وَيُزَكِّيهِمْ) .
والآية صريحة في أَن هؤلاءِ الآخرين من الأُميين، وأَنهم لم يلحقوا بعد بمن قبلهم في الالتقاءِ بالرسول وأَخذ العلم عنه، وسيلحقون بهم بعد نزول هذه الآية كما يفيده لفظ (لَمَّا) فإِنهم تفيد نفي ما دخلت عليه حالا، وتوقع حصوله مستقبلًا، فهي تخالف (لَمْ) في ذلك، إِذ هي تفيد النفي دون توقع حصول المنفي بعدها.