وإنما أوثرت بعثته صلوات الله عليه في الأميين ، لأنهم أحدُّ الناس أذهاناً ، وأقواهم جناناً ، وأصفاهم فطرة ، وأفصحهم بياناً ، لم تفسد فطرتهم بغواشي المتحضرين ، ولا بأفانين تلاعب أولئك المتمدنين ، ولذا انقلبوا إلى الناس بعد الإسلام بعلم عظيم ، وحكمة باهرة ، وسياسة عادلة ، قادوا بها معظم الأمم ، ودوخوا بها أعظم الممالك . وإيثار البعثة فيهم - بمعنى إظهارها فيهم - لا ينافي عموم الرسالة ، كما قال سبحانه:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158] . وقوله:
{لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] وهو ظاهر قوله:
{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [3]
{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} معطوف على {الْأُمِّيِّينَ}
يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده ، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد ، وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم ، من كل من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة ، كما فسره مجاهد وغيره ، واختاره ابن جرير .
قال الرازي: فالمراد بالأميين العرب ، وبالآخرين سواهم من الأمم ، وجعلهم منهم ؛ لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم ، فالمسلمون كلهم أمة واحدة ، وإن اختلفت أجناسهم ، قال تعالى:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71] ، انتهى .
تنبيه: