"عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية: (وذروا البيع) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك"، أخرجه عبد بن حميد، والمراد بالآية ترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل لهم: بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير.
(ذلكم) أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع (خير لكم) من البيع والتكسب في ذلك الوقت لما في الامتثال من الأجر والجزاء وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجباً للعقوبة وتمسك بهذا الشافعية في أن البيع وقت أذان الخطبة إلى انقضاء الصلاة صحيح مع الحرمة، قال في الكشاف: عامة العلماء
على أن ذلك لا يوجب الفساد، لأن البيع لم يحرم لعينه بل لما فيه من التشاغل عن الصلاة، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، وقال مالك: ما وقع في الوقت المذكور يفسخ، وكذا سائر العقود (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم من مصالح أنفسكم.
(فإذا قضيت الصلاة) أي إذا فعلتم الصلاة وأديتموها، وفرغتم منها (فانتشروا في الأرض) للتجارة فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم، والأمر للإباحة (وابتغوا) أي أطلبوا (من فضل الله) أن من رزقه الذي يتفضل به على عباده، بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب وقيل: المراد به ابتغاء ما عند الله من الأجر، بعمل الطاعات، واجتناب ما لا يحل، وقيل: هو طلب العلم.
"عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية ليس بطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله أخرجه ابن جرير."