قال جل ذكره: {فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِى الأَبْصَارِ} .
كيف نَصَرَ المسلمين - مع قِلَّتهم - عليهم - مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم. وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوِّ استنوق أسَدُه.
ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب.
ومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} فلم يكن كما ظنُّوه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه.
ومن الدلائلة الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب ، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم ، وبأيدي المؤمنين لقوة أحالهم ، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.
هذا كلُّ لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ - والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع.
ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه.
ويقال: يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم ، وقولوبهم باتِّباع شهواتِ نفوسِهم ، ودِينهم بما يمزجونه به من البِدَع.
قوله جل ذكره: {وَلَوْلآ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلآَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدَّنْيَا وَلَهُمْ فِى الأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} .
لولا أن قضى اللَّهُ عليهم أن يخرجوا لعذَّبهم اللَّهُ بالقتل والاستئصال ، ثم في الآخرة لهم عذابُ النار.
{ذَلِكَ بَِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
ذلك بأنهم خالفوا أمرَ الله. والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شِقٍّ آخر.
فالعاصي إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقَّ الله ، ولِمَنْ شاقَّ الله عذابُ النار.