أَحَدُهَا: أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَسْتَطِبْ نُفُوسَ الْقَوْمِ فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَرْكِ الْقِسْمَةِ ، وَإِنَّمَا شَاوَرَ الصَّحَابَةَ وَحَاجَّ مَنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ بِمَا أَوْضَحَ بِهِ قَوْلَهُ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ وَالْمُحَاجَّةِ ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نُقِلَ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ مَا رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي
حَازِمٍ قَالَ: كُنَّا رُبُعَ النَّاسِ فَأَعْطَانَا عُمَرُ رُبُعَ السَّوَادِ فَأَخَذْنَاهُ ثَلَثَ سِنِينَ.
ثُمَّ وَفَدَ جَرِيرٌ إلَى عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَكُنْتُمْ عَلَى مَا قُسِمَ لَكُمْ ، فَأَرَى أَنْ تَرُدُّوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفَعَلَ ، فَأَجَازَهُ عُمَرُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ قَوْمِي صَالَحُوك عَلَى أَمْرٍ وَلَسْتُ أَرْضَى حَتَّى تَمْلَأَ كَفِي ذَهَبًا وَتَحْمِلَنِي عَلَى جَمَلٍ ذَلُولٍ وَتُعْطِيَنِي قَطِيفَةً حَمْرَاءَ ، قَالَ: فَفَعَلَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَلَّكَهُمْ رِقَابَ الْأَرْضِينَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ رُبُعَ الْخَرَاجِ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَصِرَ بِهِمْ عَلَى أُعْطِيَّاتِهِمْ دُونَ الْخَرَاجِ ؛ لِيَكُونُوا أُسْوَةً لِسَائِرِ النَّاسِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِطَابَةٍ مِنْهُ لِنُفُوسِهِمْ وَقَدْ أَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّهُ رَأَى رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ غَيْرُهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.