وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ": عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَفِي لَفْظٍ:"يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ."
وَفِي"السُّنَنِ": عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ مِنْ يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ، وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًّا» .
فَهَذَا تَفْضِيلٌ مِنْهُ لِلْآهِلِ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ، هَلْ كَانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشَاءُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ.
وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْأَمْرِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَقْسِمُهُ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ بِشَهْوَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، يُعْطِي مَنْ أَحَبَّ، وَيَمْنَعُ مَنْ أَحَبَّ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ يُنَفِّذُ مَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ وَمَوْلَاهُ، فَيُعْطِي مَنْ أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ أُمِرَ بِمَنْعِهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُهُ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ»
فَكَانَ عَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ وَقَسَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا.