قال القرطبي في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم، ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولملازمتها بيتها فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وسيدة نساء أهل الجنة.
وقال النووي: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر -رضي اللَّه عنه- فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث (فلم تكلمه) يعني في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا
اضطرت إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته.
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتبطل الدعوى وتندحض الشبهة بما تم تقريره من خلال النصوص والأخبار الصحيحة الدالة على براءة الصديق من مطاعن أعدائه، وأن ما جرى بين الصديق وفاطمة لا يعدو أن يكون اختلافًا في مسألة فقهية ظهر لفاطمة -رضي اللَّه عنها- الحق فيها فرجعت له، وعرف لها الصديق فضلها، فعادها قبل وفاتها واسترضاها في ماتت إلا وهي راضية عنه.
وأما قولهم إن عائشة -رضي اللَّه عنها- كانت حريصة على أن يتولى طلحة الخلافة لتعود إلى بن تيم، فذالك باطل من وجوه:
1 -ما مر بيانه من اعتراف عائشة ومن معها بالخلافة لعليّ -رضي اللَّه عنه-.
2 -لم يأت أي دليل صحيح يبين أنها دعت لطلحة بالخلافة وهذا أيضًا قد مر بيانه.
3 -أن المعهود من سيرة عائشة -رضي اللَّه عنه- هو البعد عن هذا الأمر كسائر الصحابة.