فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا يُنسى فأمَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله. فقال: سبقكما الغلام الدوسي.
الوجه الثالث: حرصه على العلم، ودعوة الناس إليه، وكثرة سؤاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - وشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بذلك.
لما كانت الأسئلة كما قيل: مفاتيح العلم؛ فإن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان من المكثرين لها الجريئين عليها، إذ كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يرى أنه محتاج للسؤال، طلبًا للعلم، واستزادة للمعرفة من نبعها الصافي، ومصدرها الأول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: قلت يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ ظنَنْتُ يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال:"ذاك ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم وأنتم هاهنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد، فدخلنا، فلم نر فيه شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرءون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم -."
الوجه الرابع: خوفه من كتمان العلم.