قال: فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: لعمري لقد أصبح يزيد بن معاوية واسط الحسب في قريش غنيًا عن المال غنيًا إلا عن كل خير وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله لم يسترع عبدًا رعية إلا وهو سائله عنها يوم القيامة كيف صنع فيها، وإني أذكراك الله يا معاوية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بمن تستخلف عليها قال: فأخذ معاوية ربوة، ونفس في غداة قر حتى عرق، وجعل يمسح العرق عن وجهه ثلاثا ثم أفاق فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنك امرؤ ناصح قلت برأيك بالغ ما بلغ، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم حاجتك قال: ما لي حاجة. قال: ثم قال له أخوه: إنما جئنا من المدينة تضرب أكبادها من أجل كلمات؟!
قال ما جئت إلا لكلمات قال: فأمر لهم بجوائزهم قال: وخرج لعمرو مثله.
وأيضا فمعاوية أعرف بيزيد ممن اتهموه وقد عدله معاوية، وشهادته عند أهل السنة مقبولة، وانحراف يزيد بعد ذلك على فرض ثبوته لا يضر معاوية في شيء لأنه إن كان في
حياة أبيه فهو لا يعلمه وهذا بعيد كل البعد عن سيرة المربين والمصلحين في أولادهم وإن كان بعد مماته فأي شيء يضره؟.
قال ابن خلدون رحمه الله: ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته -لو صح-.
فإياك أن تظن بمعاوية - رضي الله عنه - أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة. ولا حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه. فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك، كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش، وتستتبع عصبية مضر أجمع، وهي أعظم من كل شوكة، ولا تطاق مقاومتهم، فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه، وهذا كان شأن جمهور المسلمين. والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم.