وهنالك كلمة لابد أن تقال بالنسبة لأهلية يزيد: وفي عبارة عن وجهة نظر أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب حيث قال: إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر، وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم، وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تمُحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم.
الوجه الثامن: أن معاوية إمام مجتهد وكان يرى صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل وغاية ما في الأمر أن يكون أخطأ، أو أصاب.
فغاية أمره أنه كغيره من الصحابة يخطئ ويصيب، ومن اجتهاده في ذلك أنه كان يرى أنه لم يبق في الساحة إلا أولاد الصحابة، وابنه أحق منهم لما يراه فيه من ميزات سبق ذكرها
في الدوافع التي دفعته إلى استخلاف يزيد كما عن محمد بن سيرين قال: لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة: أن أفد إليَّ من شاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنصاري، فاستأذن فجاء حاجب معاوية يستأذن فقال: يا أمير المؤمنين جاء يطلب معروفك فقال معاوية: إن كنت صادقًا فليكتب ما شاء فأعطه ما سألك، ولا أراه.
قال: فخرج إليه الحاجب فقال: ما حاجتك؟ اكتب ما شئت.
فقال: سبحان الله! أجيء إلى باب أمير المؤمنين فأحجب عنه؟ أحب أن ألقاه فأكلمه.
فقال معاوية للحاجب: عده يوم كذا وكذا إذا صلى الغداة فليجيء قال: فلما صلى معاوية الغداة أمر بسرير فجعل في إيوان له ثم أخرج الناس عنه فلم يكن عنده أحد إلا كرسي وضع لعمرو فجاء عمرو فاستأذن فأذن له فسلم عليه ثم جلس على الكرسي فقال له معاوية: حاجتك؟