قال ابن العربي: فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح وإلى ما سبق ذكرنا له من رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب، وقال قد بايع، وتقدم إلى حرسه يأمره بضرب عنقه إن كذبه، وهو قد قال في رواية البخاري قد بايعناه على بيع الله ورسوله، وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح في طلب السلامة والخلاص بين الصحابة والتابعين، فلا تكونوا ولم تشاهدوهم -وقد عصمكم الله من فتنتهم- ممن دخل بلسانه في دمائهم فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها ولم يلحق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض.
الرواية الثانية: عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
االرواية الثالثة: عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد لا أفقه فيها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا؟ قلنا: نعم قال: وأنا أقول ذلك.، ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا قال: أرأيتم لو ان أمة محمد قال كل رجل منهم: لا أهريق دم أخي ولا آخذ ماله أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يأتيك من الحياء إلا خير".
قال أبو بكر بن العربي: فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلِّمًا في إمرة يزيد، وأنه بايع، وعقد له، والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن يليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه.