قال ابن كثير رحمه الله: وقد انتفعَ معاويةُ -رضي الله عنه- بهذه الدعوةِ في دنياه وأُخراه؛ أما في دنياه: فإنَّه لما صارَ إلى الشامِ أميرًا كان يأكلُ في اليومِ سبعَ مراتٍ يُجاءُ بقصعةٍ فيها لحمٌ كثيرٌ، وبصلٌ فيأكلُ منها، ويأكلُ في اليومِ سبعَ أَكْلاتٍ بلحمٍ، ومن الحلوى والفاكهةِ شيئًا كثيرًا، ويقولُ: والله ما أشبعُ، وإنما أعيا وهذه نعمةٌ، ومَعِدَةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوكِ، وأما في الآخرةِ فقد أَتبعَ مسلمٌ هذا الحديثَ بالحديثِ الذي رواه البخاريُّ، وغيرُهما من غيرِ وجهٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"اللهم إنما أنا بشرٌ فأيُّما عبدٍ سببتُه، أو جلدتُه، أو دعوتُ عليه، وليس لذلك أَهلًا فاجعل ذلك كفارةً، وقربةً تقر بُه بها عندك يومَ القيامةِ"فرَكَّبَ مسلمٌ من الحديثِ الأولِ وهذا الحديثِ فضيلةً لمعاويةَ. اهـ (2)
الوجه الثاني: وهو كتابتُه للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابنُ تيميةَ: استكتبَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لخِبرته، وأمانتِه.
الحديث الثاني: عن ابنِ عباسٍ -رضي اللهُ عنهما- قال: قال أبو سفيان للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: معاويةَ تجعلُه كاتبًا بين يديكَ. قال: نعم.
قال ابن كثير: والمقصودُ منه أنَّ معاويةَ كان من جملةِ الكُتَّاب بين يديْ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- الذين يكتبون الوحيَ.
ثالثا: دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له. كما استنبطه العلماءُ من الحديثِ الأولِ مع قولِه:"إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشرُ، وأغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن تجعلها له طَهورًا، وزكاةً، وقُربَةً، وقد مر بيانُ هذا الوجهِ من هذا النصِّ، وفي هذا المعنى أحاديثُ منها:"
منها حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عُمَيرَةَ، قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لمعاويةَ -رضي الله عنه-:"اللهم اجعلْهُ هادِيًا مَهدِيًّا واهدِه واهدِ بِه".