أحدهما: أنَّ المرادَ ليس بأهلٍ لذلك عندَ الله تعالى وفي باطنِ الأمرِ، ولكنَّه في الظاهرِ مستوجِبٌ له فيظهرُ له -صلى الله عليه وسلم- استحقاقُه لذلك بأمَارةٍ شرعيةٍ، ويكونُ في باطنِ الأمرِ ليس أهلًا لذلك، وهو -صلى الله عليه وسلم- مأمورٌ بالحكمِ بالظاهرِ، واللهُ يتولى السرائرَ.
والثاني: أنَّ ما وقع من سبِّه ودعائِه ونحوِه ليس بمقصودٍ، بل هو مما جَرَتْ به عادةُ العربِ في وصلِ كلامِها بلا نيةٍ كقولِه:"تَرِبَتْ يمينُك"و"عَقرَى حَلقَى"و"لا أشبعَ اللهُ بطنَه"ونحوِ ذلك لا يقصدون بشيءٍ من ذلك حقيقةَ الدعاءِ فخافَ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يصادفَ شيءٌ من ذلك إجابةً فسأل ربَّه سبحانه وتعالى، ورَغِبَ إليه في أن يجعلَ ذلك رحمةً وكفارًة، وقربةً، وطَهورًا، وأجرًا، وإنما كان يقعُ هذا منه في النادرِ، والشاذِّ من الأزمانِ، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه، وقد سبق في هذا الحديثِ أنهم قالوا: ادعُ على دوسٍ فقال: اللهم اهدِ دوسًا، وقال: اللهم اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون .. واللهُ أعلمُ.
وأما دعاؤه على معاويةَ أن لا يَشْبعَ حين تأخرَ، ففيه الجوابان السابقان:
أحدهما: أنه جرى على اللسانِ بلا قصدٍ.
والثاني: أنه عقوبةٌ له لتأخرِه.
وقد فهم مسلمٌ من هذا الحديثِ أنَّ معاويةَ لم يكن مستحقًا للدعاءِ عليه؛ فلهذا أَدخَلَه في هذا البابِ، وجَعَلَه غيرُه من مناقبِ معاويةَ -رضي الله عنه- لأَنَّه في الحقيقةِ يصيرُ دعاءً له.