في هذه الآية الكريمة لطيفة معنوية رائعة ، وهو أنه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، باين بين الفاعلين ، إذ فاعل جعل هو الكفار ، وفاعل أنزل هو اللّه تعالى وبين المفعولين ، إذ تلك حمية وهذه سكينة وبين الإضافتين أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى اللّه تعالى وبين الفعل جعل وأنزل ، فالحمية مجعولة في الحال والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها ، والحمية قبيحة مذمومة في نفسها ، وازدادت قبحا بالإضافة إلى الجاهلية ، والسكينة حسنة في نفسها ، وازدادت حسنا بإضافتها إلى اللّه تعالى. والعطف في فأنزل بالفاء لا بالواو يدل على المقابلة ، تقول: أكرمني زيد فأكرمته ، فدلّت على المجازاة للمقابلة.
[سورة الفتح (48) : الآيات 27 إلى 28]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)
الإعراب:
(اللام) لام القسم لقسم مقدّر (الرؤيا) مفعول به ثان منصوب (بالحقّ) متعلّق بحال من (الرؤيا) "1"، (اللام) لام القسم لقسم مقدّر (تدخلنّ) مضارع مرفوع للتجرّد وعلامة الرفع ثبوت النون ، وقد حذفت لتوالي الأمثال ، و (الواو) المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل ، و (النون) نون التوكيد (شاء) ماض في محلّ جزم فعل الشرط"2"، (آمنين) حال من فاعل تدخلنّ ، وكذلك (محلّقين) ، ، (رؤوسكم) مفعول به لاسم الفاعل محلّقين (لا) نافية (الفاء) عاطفة في الموضعين (ما) اسم موصول في محلّ نصب مفعول به ، والعائد محذوف"3"، (من دون) متعلّق بمحذوف مفعول به ثان ..
(1) أو متعلّق بـ (صدق) ... وهو قسم إن وقف على الرؤيا. []
(2) قال الكوفيون (إن) غير شرطيّة لأنّ المشيئة محقّقة ، و (إن) تقتضي الشكّ ... وعند الجمهور هي شرطيّة للتعليم.
(3) أو نكرة موصوفة في محلّ نصب ، والجملة بعدها نعت لها.