ثم قال الآلوسي: ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم في الدنيا والآخرة - للآثار
السابقة - لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي صلّى الله عليه وسلّم بالذكر ... ».
واسم الإشارة في قوله - تعالى -: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يعود إلى جميع أوصافهم الجليلة السابقة. والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن. أي: ذلك الذي ذكرناه عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى الأمثال، صفتهم في التوراة التي أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - .
ثم بين - سبحانه - صفتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ...
وقوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ معطوف على ما قبله وهو مثلهم في التوراة، والإنجيل:
هو الكتاب الذي أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى - عليه السلام - .
والشط: فروع الزرع، وهو ما خرج منه وتفرع على شاطئيه. أي: جانبيه. وجمعه:
أشطاء، وشطوء، يقال: شطأ الزرع وأشطأ، إذا أخرج فروعه التي تتولد عن الأصل.
وقوله فَآزَرَهُ أي: فقوت تلك الفروع أصولها، وآزرتها، وجعلتها مكينة ثابتة في الأرض. وأصله من شد الإزار. تقول: أزّرت فلانا، إذا شددت إزاره عليه. وتقول آزرت البناء - بالمد والقصر - إذا قويت أساسه وقواعده.
ومنه قوله - تعالى - حكاية عن موسى - عليه السلام -: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي.
وقوله: فَاسْتَغْلَظَ أي: فصار الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا.
وقوله: فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ أي: فاستقام وتكامل على سيقانه التي يعلو عليها.
وقوله: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي: يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته.
والمعنى: أن صفة المؤمنين في الإنجيل، أنهم كالزرع، يظهر في أول أمره رقيقا ضعيفا متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد، وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها.