هذه أمهات من المعاني في السورة عرض الله عزّ وجل لنا فيها صلح الحديبية، وما رتّبه عليه وأسماه فتحا، فأعطى بذلك المسلمين درسا خالدا من دروس القرآن، وكلها خوالد. فالقرآن الكريم يسجل لنا كل ما هو خالد تحتاجه الأمة الإسلامية أفرادا، وجماعة في سيرها خلال العصور، ومن ثم تجده سجّل كثيرا من مواقف السيرة التي من هذا النوع في الحرب أو في السلم، فسجّل لنا مواقف متعددة في قضايا الجهاد من خلال عرضه لغزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلم وحروبه الرئيسية، وسجل لنا هاهنا موقفا ترتب عليه معاهدة وصلح، وهو موقف قد تحتاجه الأمة الإسلامية في سيرها الطويل كثيرا، والملاحظ أن سورة القتال السابقة على سورة الفتح ذكرت شيئا عن المسالمة والمصالحة، وأنها جائزة في بعض الحالات، وقد جاءت سورة الفتح لتعرض علينا نموذجا على أن الهدنة والصلح قد يترتب عليهما من المنافع والمصالح للمسلمين أضعافا مضاعفة، بل قد
لا يكون في لحظة من اللحظات أية مصالح في الحرب. من هذه الصلة بين سورة القتال والفتح نعرف كيف أن السور في القسم الواحد يكمّل بعضها بعضا، سنحاول تفصيل هذا الموضوع في الكلام عن قسم المثاني بعد أن ننتهي من عرضه.
ومن خلال عرض ما مر فصلت السورة في قضايا تتعلّق بالإيمان والتقوى وأخلاق الجماعة المؤمنة، وفصّلت في الكفر وأخلاقه ودوافع أهله، وفصّلت في النفاق وأخلاق أهله ودوافعهم، وفصّلت في كيفية تعامل الجماعة المسلمة مع المنافقين، وفصّلت في سنن الله في عملية الصراع بين الكفر والإيمان، وفيما ينبغي أن يلاحظه المسلمون في عملية الصراع، ومن أهم ذلك حماية أرواح المؤمنين المخالطين للكافرين، كما فصّلت في خصائص الجماعة الإسلامية في تعاطفها مع بعضها وفي شدتها على الكافرين، وفي إقبالها على الله بالعبادة، وإخلاصها له في النية، كما فصّلت فيما تقتضيه عملية الإيمان من نصرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وتعظيمه.