ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله {والصادقين والصادقات} ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان {واصبر على ما أصابك} [الآية: 17] أي بسببه. ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله {والخاشعين والخاشعات} وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها {قد أفلح المؤمنون الذي هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1 ، 2] فلذلك أردفها بالصدقة. ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري. ثم ختم الأوصاف بقوله {والذاكرين الله كثيراً} يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة {لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} وقال في الآية {والذاكرين الله كثيراً} ويجيء بعد ذلك {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب ، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف ، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله تعالى وهي النية. قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور ، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله. والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف ، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.