يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الْأَنْعَامَ أَنْ تَأْكُلُوهَا إِذَا ذَكَّيْتُمُوهَا، فَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكُمْ مِنْهَا بَحِيرَةً، وَلَا سَائِبَةً، وَلَا وَصِيلَةً، وَلَا حَامًا، وَلَا مَا جَعَلْتُمُوهُ مِنْهَا لِآلِهَتِكُمْ.
{إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}
يَقُولُ: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ: الْمَيْتَةُ، وَالدَّمُ، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةُ، وَالْمَوْقُوذَةُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، وَالنَّطِيحَةُ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ , فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ رِجْسٌ.
وَقَوْلُهُ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}
يَقُولُ: فَاتَّقُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ فِي عِبَادَتِهَا , فَإِنَّهَا رِجْسٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّقُوا قَوْلَ الْكَذِبِ , وَالْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِكُمْ فِي الْآلِهَةِ: {مَا نعَبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وَقَوْلِكُمْ لِلْمَلَائِكَةِ: هِيَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ , وَزُورٌ , وَشِرْكٌ بِاللَّهِ.
عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ» مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} "
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ: اجْتَنِبُوا أَنْ تَرْجُسُوا أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْأَوْثَانِ بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ مِنَ الْأَوْثَانِ مَا لَيْسَ بِرِجْسٍ حَتَّى قِيلَ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْهَا؟
قِيلَ: كُلُّهَا رِجْسٌ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَوْثَانِ , أَيْ: عِبَادَتَهَا، فَالَّذِي أَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ} مِنْهَا اتِّقَاءُ عِبَادَتِهَا، وَتِلْكَ الْعِبَادَةُ هِيَ الرِّجْسُ.