غَيْرَ أَنَّ الْكَسْرَ فِيهَا خَاصَّةً أَقْيَسُ، لِمَا ذَكَرْنَا لِأَبِي عَمْرٍو مِنَ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} , فَهُوَ بِتَسْكِينِ الْهَاءِ مَعَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَيُحَرِّكُهَا فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} فَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) فَيُحَرِّكَ اللَّامَ إِلَى الْكَسْرِ مَعَ (ثُمَّ) وَإِنْ سَكَّنَهَا فِي قَوْلِهِ: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ , وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَحْرِيكُهَا مَعَ (ثُمَّ) وَالْوَاوُ، وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَ الْقُرَّاءِ مَعَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ عَلَى تَسْكِينِهَا، وَهِيَ أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ فِي الْعَرَبِ وَأَفْصَحُهَا، فَالْقِرَاءَةُ بِهَا أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ كَسْرِهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ {ذَلِكَ} هَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ , وَالْوَفَاءِ بِالنُّذُورِ , وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، هُوَ الْفَرْضُ الْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ فِي حَجِّكُمْ
{وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}
يَقُولُ: وَمَنْ يَجْتَنِبْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ تَعْظِيمًا مِنْهُ لِحُدُودِ اللَّهِ أَنْ يُوَاقِعَهَا , وَحُرَمِهِ أَنْ يَسْتَحِلَّهَا، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ:"الْحُرْمَةُ: مَكَّةُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيهِ كُلِّهَا"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الْحُرُمَاتُ: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ , هَؤُلَاءِ الْحُرُمَاتُ."
وَقَوْلُهُ: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ}