إن الله تعالى قد بنى بيتاً وأمركم بأن تحجوه ؛ وقال مجاهد: فقام إبراهيم على المقام ، فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب: يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم ، فأجابوه من أصلاب الرجال: لبيك.
قال: فإنما يحج من أجاب إبراهيم يومئذٍ ؛ ويقال: التلبية اليوم جواب الله عز وجل من نداء إبراهيم عن أمر ربه ، فذلك قوله: {يَأْتُوكَ رِجَالاً} ، يعني: على أرجلهم مشاة {وعلى كُلّ ضَامِرٍ} ، يعني: على الإبل وغيرها.
فلا يدخل بعيره ولا غيره الحرم ، إلا وقد ضمر من طول الطريق.
{يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} ، أي من نواحي الأرض {عَميِقٍ} ، يعني: بعيد.
وقال مجاهد: الفج الطريق ، والعميق البعيد ، وقال: إن إبراهيم وإسماعيل.
عليهما السلام حجا ماشيين ؛ وقال ابن عباس: ما آسى على شيء ، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً ، لأن الله تعالى قال: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلّ ضَامِرٍ} .
قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان بيته قريباً من مكة ؛ فإذا حج ماشياً ، فهو أحسن.
وأما إذا كان بيته بعيداً ، فالركوب أفضل.
وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: الراكب أفضل ، لأن في المشي يتعب نفسه ويسوء خلقه.
وإن كان الرجل يأمن على نفسه أن يصبر ، فالمشي أفضل ، لأنه روي في الخبر أن الملائكة عليهم السلام تتلقى الحاج ، فيسلمون على أصحاب المحامل ، ويصافحون أصحاب البعير والبغال والحمير ويعانقون المشاة.
ثم قال عز وجل: {لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ} ، يعني: الأجر في الآخرة في مناسكهم ؛ ويقال: وليحضروا مناحرهم وقضاء مناسكهم.