والثاني: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهومًا لكانت المخاطبة به عبثًا وسفهًا، وأنه لا يليق بالحكيم.
والثالث: أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به.
قلت: فهي على هذا لا بد أن لها معنى، وجهل البعض بالمراد منها لا يضر؛ فإن الراسخين في العلم يعلمونه.
الوجه الثاني: ما ذكره أهل العلم في معانيها.
التمس أهل العلم لهذه الأحرف جملة من المعاني، منها:
الأول: أن يقال: إنها أسماءٌ للسور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.
الثاني: اسم من أسماء القرآن.
الثالث: فواتح يفتح الله بها القرآن.
الرابع: اسم الله الأعظم.
الخامس: قَسَمٌ أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه.
السادس: هي حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
السابع: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ شتى مختلفة.
الثامن: هي حروف من حساب الجمل.
وبعد أن ذكر الطبري - رحمه الله - هذه الأقوال؛ قال:
والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم: أن الله - عز وجل - جعلها حروفًا مقطعةً، ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه - عز وجل - أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منها على معانٍ كثيرةٍ لا على معنى واحد.
وهذا مضمون ما قاله الشوكاني - رحمه الله - حيث قال:
والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله - عز وجل -، ولا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه.
وإجمال القول في هذا المقام: أن هذه الأحرف لم يرد في تأويلها شيء صحيح من المعصوم - صلى الله عليه وسلم - فيما علمنا، ولم يجمع أهل العلماء في تأويلها على وجهة معينة، فالأمر على ما ذكره بعض أهل العلم حيث قالوا: فمن ظهر له بعض الأقوال بدليلٍ فعليه اتباعه، وإلا فالوقف أولى.
الوجه الثالث: هذه الأحرف حجةٌ على من عارض القرآن.