وقال أبو عبيدة: إن القَصص التي قصَّها الله تعالى عن الأُمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأوَّلين، وحديث حَدَّث به عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حلَّ بهم .. ولكن هذا خاص بالقَصص، والحديث يعم كل آية من آيات القرآن.
وحكى ابن النقيب قولاً ثالثا: وهو أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أهل الحقائق.
هذا هو أشهر ما قيل فِي معنى الظهر والبطن .. وأما قوله فِي الحديث الأول:"ولكل حرف حد"، فمعناه على ما قيل: لكل حرف حد، أي منتهى فيما أراد الله من معناه، أو لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. والأول أظهر، وقوله:"ولكل حد مطلع"، معناه على ما قيل أيضاً: لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يُتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به. وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه فِي الآخرة عند المجازاة، والأول أظهر أيضاً.
وأما الصحابة فقد نُقِل عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشاري وقالوا به، أما الروايات الدالة على أنهم يعرفون ذلك فمنها:
ما أخرجه ابن أبى الحاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس أنه قال:"إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه، ولا تُبلغ غايته، فمَن أوغل فيه برفق نجا، ومَن أخبر فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومُحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجَالِسُوا به العلماء، وجَانِبُوا به السفهاء".
وروى عن أبى الدرداء أنه قال:"لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهاً".
وعن ابن مسعود أنه قال:"مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليَثَوِّر القرآن". وهذا الذي قالوه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر.