وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (الْقِيَامَةِ: 16) ، وَقَدِ اكْتَنَفَهُ مِنْ جَانِبَيْهِ قَوْلُهُ: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (الْقِيَامَةِ: 14 - 15) وَقَوْلُهُ: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} (الْقِيَامَةِ: 20 - 21) فَهَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِكَ لِلرَّجُلِ وَأَنْتَ تُحَدِّثُهُ بِحَدِيثٍ فَيَنْتَقِلُ عَنْكَ وَيُقْبِلُ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ: أَقْبِلْ عَلَيَّ وَاسْمَعْ مَا أَقُولُ، وَافْهَمْ عَنِّي، وَنَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ تَصِلُ حَدِيثَكَ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَاطِعًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِهِ مُشَوِّقًا لِلْكَلَامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَسَمِعَ الْقُرْآنَ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: تَدَبَّرْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَلَا تَتَلَقَّهُ بِلِسَانِكَ؛ فَإِنَّمَا نَجْمَعُهُ لَكَ وَنَحْفَظُهُ عَلَيْكَ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} (الْآيَةَ: 3) إِلَى قَوْلِهِ: {الْإِسْلَامِ دِينًا} (الْآيَةَ: 3) فَإِنَّ الْكَلَامَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} (الْآيَةَ: 3) وَوَسَّطَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَرْغِيبًا فِي قَبُولِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَالْعَمَلِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكُفَّارِ وَمَوْتِ كَلِمَتِهِمْ وَإِكْمَالِ الدِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَى اتِّصَالٍ {فَمَنِ اضْطُرَّ} (الْآيَةَ: 3) بِقَوْلِهِ: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} آيَةَ الْأَنْعَامِ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ} (الْآيَةَ: 145) .