أما إشارة القرآن إليه، ففى قوله تعالى فِي الآية [78] من سورة النساء: {فَمَالِ هؤلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} ، وقوله فِي الآية [82] منها أيضاً: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} ، وقوله فِي الآية [24] من سورة محمد عليه السلام: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} فهذه الآيات كلها تشير إلى أن القرآن له ظهر وبطن. وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى حيث ينعى على الكفار أنهم لا يكادون يفقهون حديثاً، ويحضهم على التدبر فِي آيات القرآن الكريم لا يريد بذلك أنهم لا يفهمون نفس الكلام، أو حضهم على فهم ظاهره، لأن القوم عرب، والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره ولا شكّ. وإنما أراد بذلك أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وحضَّهم على أن يتدبروا فِي آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم.
وأما تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فذلك فِي الحديث الذي أخرجه الفريابى من رواية الحسن مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع"، وفى الحديث الذي أخرجه الديلمى من رواية عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يُحاج العباد".
ففى هذين الحديثين تصريح بأن القرآن له ظهر وبطن. ولكن ما هو الظهر وما هو البطن؟ اختلف العلماء فِي بيان ذلك:
فقيل: ظاهرها - أي الآية - لفظها. وباطنها: تأويلها.