لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي فلا تتعرض لهم. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يتولاه. ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ يخبرهم في الآخرة عن أفعالهم، فيجازيهم عليها.
المناسبة:
بعد أن أوعد الله الكفار وأنذرهم بسوء العذاب، وبما ينتظر من الحوادث الرهيبة في آخر الزمان، حذّر الله المؤمنين من التفرق في الدين، كما يفعل أهل البدع والشبهات، وحث على توحيد كلمة المسلمين.
التفسير والبيان:
روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ: هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
وهذا ما قاله مجاهد. وقال أبو أمامة في قوله: وَكانُوا شِيَعاً هم الخوارج.
وقيل عن جماعة (قتادة والضحاك والسدي) : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى إذ فرقوا دين إبراهيم وموسى وعيسى، فجعلوه أديانا مختلفة ومذاهب شتى.
وقيل: الآية عامّة في جميع الكفار، قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفا له. وهذا ما صوبه بعض المحدثين، مثل صاحب تفسير المنار، فقال: والصواب هو الجمع بين الرأيين، فإن الله تعالى، بعد أن أقام حجج الإسلام في هذه السورة، وأبطل شبهات الشرك، ذكر أهل الكتاب وشرعهم وأمر المستجيبين لدعوة الإسلام بالوحدة وعدم التفرق، كما تفرق من قبلهم، كما جاء في سورة آل عمران: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [105] .
والمعنى: إن الذين فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض وأخذوا به، وتركوا بعضه الآخر، وتأولوا نصوصه على وفق أهوائهم، وصاروا فرقا، كل فرقة تأخذ برأي وتتعصب لمذهب، لا تتعرض لهم يا محمد ودعهم وشأنهم ولا تقاتلهم، وإنما عليك تبليغ الرسالة، ومناصرة شعائر الدين الحق، أنت بريء منهم ومن أفعالهم، وبعيد من أقوالهم ومذاهبهم، والله يتولى أمرهم وحسابهم، ثم ينبئهم في الآخرة ويجازيهم على تجزئة الدين. قال الرازي: المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وألا يتفرقوا في الدين، ولا يبتدعوا البدع.