سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا احتجاجا لشركهم وما حرّموه لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ولكن شاء فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك؛ وإذا شاء فقد رضي، فذلك دليل عندهم على أنّ ما فعلوه صحيح. جعلوا المشيئة تشريعا ورضا، ولا شكّ أن كل شيء بمشيئة الله، لأنّه لا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، ولكنّه أرسل رسله بأمره، ورضاه لا يكون إلا بتنفيذ أمره وهم قد جعلوا المشيئة عين الرضا، فكذّبوا رسل الله ولذلك قال الله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. أي: كتكذيبهم إيّاك، كذّب المتقدمون رسلهم، وتشبّثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا. أي:
حتى أنزلنا عليهم العذاب قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ. أي: من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي: فتظهروه لنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ.
أي: الوهم والخيال والاعتقادات الفاسدة وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. أي: تكذبون على الله فيما ادّعيتموه
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ. أي: التامّة الكاملة عليكم بأوامره ونواهيه، ولا حجة لكم على الله بمشيئته فَلَوْ شاءَ. هدايتكم لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ولكن له الحكمة في أن يعلق الهداية على أسبابها، والضلال على أسبابه، فخلق الهداية عند من يستحقّها بتوفيقه، وخلق الضّلال عند من يستحقه بعدله
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ.
أي: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. أي: ما زعموه محرّما فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ. أي: فلا تسلّم لهم ما شهدوا به، ولا تصدّقهم، لأنّه إذا سلّم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم؛ فكان واحدا منهم - وحاشاه - فإنهم شهود الزور الكذبة وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا دلّ هذا على أن من كذّب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدّقا بالآيات موحّدا لله وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فهم ملحدون بها وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.