وبعد أن فصّل الله عزّ وجل المحرّمات، عطف بالثناء على التوراة ورسولها، واصفا موسى عليه السلام بالإحسان، وواصفا التوراة بالكمال والإحاطة رحمة بمن أنزلت عليهم، وهداية لهم؛ من أجل أن يؤمنوا حق الإيمان، وذكر التوراة في هذا السياق يشعر أن ما حرّمه الله على هذه الأمة في هذا المقام كان محرّما في التوراة. وبعد أن أثنى على التوراة، ورسولها، أثنى على هذا القرآن الذي أنزله، ووصفه بالبركة، وأمر عباده باتّباعه، وبتقوى الله؛ لعلهم يستحقون رحمة الله، ثمّ خاطب العرب خاصّة، مبينا لهم أنّه أنزل هذا القرآن عليهم، وبلغتهم؛ لينقطع عذرهم؛ ولئلا يقولوا إن كتب الله قد أنزلت على اليهود والنصارى من قبل، وما كنا نفهم ما يقولون، لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن في غفلة وشغل عمّا هم فيه، فبهذا الإنزال قطع الطريق على تعلّلهم أن يقولوا: لو أنّا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنّا أهدى منهم فيما أوتوه، فها قد جاءهم من الله على لسان محمد صلّى الله عليه وسلّم النبي العربي، قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام، وهدى للقلوب، ورحمة من الله لعباده، فمن أظلم بعد ذلك ممن اجتمع له تكذيب آيات الله، والعزوف عنها، وصدّ الناس عنها. هؤلاء سيجزيهم الله على فعلهم أشدّ العذاب. وبهذا البيان لم تبق حجة لتحريم ما لم يحرّمه الله. وبهذا التّهديد بالعذاب ندرك خطورة التحريم القائم على الهوى؛ لأنّه لا يعني إلا التكذيب لله ولرسوله ولكتابه، وإلا الصدّ عن سبيل الله، وحتى لا يستبطئوا العذاب ذكّرهم بالساعة وأشراطها، وأنّهم يوم يشاهدون القيامة، أو بعض أشراط يوم القيامة، لا ينفع الإنسان الإيمان وقتذاك أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأمّا من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير
عظيم وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته. ثمّ هدّد الكافرين وأوعدهم بأن أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهم: انتظروا إنا منتظرون. ثم