ومن ألطف الأخبار في هذا الباب لأهل الاعتبار: ما رواه عبد الرزاق، والطبراني في"الكبير"، وابن مردويه، والحافظ أبو بكر الواسطي في"فضائل بيت المقدس"عن رافع بن عمير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"قَالَ اللهُ تَعالَى لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا في الأَرْضِ."
فَبَنَى دَاودُ لِنَفْسِهِ بَيْتًا قَبْلَ البَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: يا دَاوُدُ! نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟
قَالَ: يا رَبِّ! هَكَذَا قُلْتَ: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ.
ثُمَّ أَخَذَ في بِناءِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أتمَّ السُّوْرُ سَقَطَ ثَلاثًا، فَشَكَى ذَلِكَ إلَى اللهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا.
قَالَ: وَلِمَ يَا رَبَ؟
قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ.
قَالَ: يَا رَبِّ! أَوَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في هَوَاكَ وَحُبِّكَ.
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي، وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ.
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: لا تَحْزَنْ؛ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَي ابْنِكَ سُلَيْمانُ.
فَلمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخَذَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِمَا السَّلامُ في بِنائِهِ، فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ القَرابِيْنَ، وَذَبَحَ الذَّبائِحَ، وَجَمَعَ بَنِي إِسْرائِيلَ، فأوْحَى اللهُ تَعالَى
إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سُرُوْرَكَ بِبِناءِ بَيْتِي فاسْأَلْنِي أُعْطِكَ.
قَالَ: أَسْألُكَ ثَلاثَ خِصالٍ: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَمَنْ أتى هَذَا البَيْتَ لا يُرِيْدُ إلا الصَّلاةَ فِيْهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ"."