وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه - واللفظ له - وابن خزيمة، وابن حبَّان في"صحيحيهما"، والحاكم وصححه - قال المنذري: ولا علة له، وحسَّنه بعض الحفاظ، وهو شاهد لحديث رافع ابن عمير المذكور آنفًا - عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِنْ بِناءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَألَ اللهَ - عز وجل - ثَلاثًا: حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّه لا يَأتِيَ هَذا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لا يُرِيْدُ إِلَّا الصَّلاةَ فِيْهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُما، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ".
وقوله في حديث رافع: يا رب! أنت قلت: من ملك استأثر، هو مثل سائر، وهذا الحديث أصله.
وفيه أنَّه من كلام الله تعالى الذي أنزله على داود عليه السلام.
وفيه دليل على أن الاستئثار يظهر على الإنسان إذا مَلَكَ، لا يخلو منه إلا بالعصمة، قضاء قضاه الله تعالى؛ إذ معنى قوله: أنت قلت يا رب: من ملك استأثر: أنت قضيت، وحكمت، أو قلت فيما أوجبت إلي، ولذلك كان الإيثار من أعظم ما يثنى به على المتصف به كما قال تعالى في الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر: 9] .
وليس فوق هذا ثناء في باب الجود؛ لأنَّ الإيثار في حالة الملك والقدرة ممدوح، فكيف في حال الحاجة والخصاصة؟ ومن ثمَّ قيل:
لَيْسَ الْعَطاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَماحَةً ... حَتَّى تَجُودَ وَما لَدَيْكَ قَلِيلُ