هذه الأمور التي ذكرناها هنا من أنواع السحت كالربا وغيره، لمَّا كثرت في بني إسرائيل هلكوا واستؤصلوا، وذلك لأنَّ هذه الأمور تسحت؛ أي: تستأصل مرتكبها، ولذلك سميت سحتًا كما سبق.
ومن هذا القبيل قول موسى عليه السلام لفرعون وقومه: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [سورة طه: 61] .
قال ابن زيد: فيهلككم هلاكًا ليس به بقية. قال والذي سُحِت ليس فيه بقية. أخرجه ابن أبي حاتم.
وفي هذه الآية دليل على أن الكذب والافتراء يكون سببًا للاستئصال.
وقد جمعت اليهود بين ذلك وأكل الحرام؛ إذ قال الله في وصفهم: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [سورة المائدة: 42] .
وجاءت فيهما بصيغة المبالغة والتكثير؛ فإن وقوع شيء من ذلك على سبيل الزلة والهفوة لا يضر، والاستغفار يمحوه أو يخففه، حتى يتكرر ذلك من العبد أو القوم، ويكثر فيهلكوا.
وقد روى ابن جرير عن سِماك بن حرب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: إذا ظهر الرِّبا والزنا في قرية أَذِنَ الله في هلاكها.
بل روى الإمام أحمد، وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبَا والزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ".
159 -ومن أعمال أهل الكتاب: الاستئثار.
وقد ألهمت عدة من خصالهم في المنام.
ويدل له ما حكي: أن أحبار بني إسرائيل وقسِّيسي النصارى وبطارقتهم كانوا يستحثون الناس على الصدقات، ويأمرونهم بإعطاء الزكاة، وكانوا يدفعونها إليهم ليقسموها في الفقراء، وكانوا يستأثرون بها، ويستقلون حتى صاروا أكثر أموالًا من الملوك.
قيل: وفيهم نزلت: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [سورة التوبة: 34] .