قلت: روى أبو نعيم في"الحلية"عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أُتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أُتي به استعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بِجَدْي، فذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن الملك إذا دعا بلحم الخنزير أتيتك به، فأتى صاحب الشرطة باللحم الذي كان أعطاه لحم الجَدْي، فأمره الملك أن يأكل منه، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه، ويأمره بأكله، ويريه أنَّه اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال له: ما يمنعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟
قال: قد علمت أنَّه هو، ولكن خفت أن يقتاس الناس به، فكلما
أريد أحد على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيقتاس الناس بي، فأكون فتنة لهم.
قال: فقتل.
قلت: رحم الله هذا الرجل؛ ما أعظم أجرَه عند الله! وما فعله أولى ما يُطلب من العالم المقتدى به، فلا ترى الناس للعالم في شيء أطوع منهم له في رخصة أو معصية يدعوهم إليه، أو يعمل بها بمحضرهم كما عمت البلوى الآن ممن ينسبون إلى العلم، فيخالطون الحكام الظلمة، ويأكلون من أموالهم، ويمالونهم، ويلبسون الحرير، ويفرشونه، أو يأكلون ما لا يحل لهم، ويشربون ما حرم الله عليهم، فإذا بينت تحريم شيء من ذلك لبعض العامة، قال لك: ما بال فلان يفعله أو يقره؟
ومن ثمَّ قيل: إذا زل عالِم زل بزلته عالَم.
على أن ذلك ليس من الزلة، بل من باب الفسق والجرأة على الله تعالى، فعسى الله تعالى أن يحببنا إليه ببغض هؤلاء، ويثيبنا على غيظنا عليهم، إنه على كل شيء قدير.
ولقد قلت: من السريع
وَاللهِ ما الْعالِمُ بِالْفاسِقِ ... وَلا بِنَذْلٍ بِالْخنا ناطِقِ
وَلا بِمَنْ يَبْغِي وَيسْطُو عَلى ... إِخْوانِهِ كَسَطْوَةِ الْباشِقِ
وَلا بِمَنْ يَلَبْسُ ثَوْبَ الْخَنا ... أَوْ لُبْسَةَ الْخارِقِ والْمارِقِ
وَلا بِمَنْ يَأْكُلُ مالَ الرِّبا ... وَمالَ أَيْتامٍ كَما السَّارِقِ
وَلا بِمَنْ يُؤثِرُ حُبَّ الْمَها ... عَلى هَوى النَّاهِدِ والْعاتِقِ