قلنا: لا تعارُضَ بينَهُما؛ لأنَّ الآيةَ جاءَ سياقُها لقَصْدِ الرَّدِّ على المُشركين في تَحْليلِهم وتحريمِهم أشياءَ بِجَهْلِهِم، ولم يردْ لحَصرِ المُحَرَّماتِ.
فإن قلتَ: فما دليلُك على هذا؟
قلتُ: قرأتُ من قبلهِ أربعَ آياتٍ، ونظرتُ كيفَ عاتَبَ اللهُ المشركينَ
على فِعْلِهم من التحليلِ والتحريمِ، وبهذه الطريقِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي - رحمه الله - فهؤلاءِ قومٌ لم يَنْبذوا الكِتاب ولا السنَّةَ وراءَ ظُهورهم، ولم يَنْسَخوا الكتابَ بما هو أضعفُ منه.
فإن قلت: فهذا ابنُ عباسِ - رضي الله تعالى عنهما - البحرُ الحَبْرُ التَّرْجُمانُ يقولُ بتحليل الحُمُرِ الإنسية، قال عَمْرُو بنُ دينارِ: قلت لجابرِ بن زيد: إنهم يزعُمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، قال: قد كانَ يقولُ ذلكَ الحَكَمُ بن عمرِو الغِفاريِّ عندَنا بالبَصْرَة، ولكن أبى ذلك الحَبْرُ، يعني: ابن عباس، وقرأ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الآية.
وهذه أيضًا عائشةُ ذهبَتْ إلى تحليلِ الحُمُرِ الأهليةِ، وقَرَأَتِ الآيةَ كما قرأها ابنُ عباسِ - رضي الله تعالى عنهما.
قلت: إنما لم يحرماها؛ لأنهما تردَّدا في النَهْي هل هو على البَتِّ، أو لِعِلَّةٍ، وقدْ زالت العِلَّةُ؟ فقد خَرَّجَ مسلم في"صحيحه"عن ابن عباسِ: أنه قال: لا أدري نَهى عنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أجلِ أَنَّه كانَ حَمولةَ الناسِ، فكرهَ أن تذهبَ حَمولَتُهم.
وأمّا قراءَتُهما للآيةِ، فقرأاها استدلالاً وتنبيهًا على أن أصلَ الأشياءِ الحِلُّ، لا التحريمُ حتى يردَ كتابٌ أو سُنَّةٌ صحيحةٌ صريحةٌ، ولو كانَ منهما اعتقاداً للحصر، وتقديماً للآيةِ على السنَّةِ، لأَباحا كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وذي مِخْلَبٍ من الطير، ولم يفعلا ذلك.
ويدلُّ على ما قلتُه ما روى عَمْرُو بنُ دينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ عنِ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأكلونَ أشياءَ، فبعث اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأنزل كتابَهُ، وأَحَلَّ حلالَه، وحَرَّمَ حَرامَهُ، فما أَحَلَّ فهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سكتَ عنه فهوَ عَفْوٌ، وتَلا هذهِ الآية.
وقد قدَّمْتُ في"سورةِ البقرةِ"جُمَلاً نافِعَةً - إن شاء الله تعالى - .