وقوع رؤية الباري تعالى مما يستند فيه إلى الشرع فأما العقل فلا مجال له في ذلك لكنه يعطي إمكان الرؤية. فأما القطع بوقوعها فإنما ذلك يستند فيه إلى الشرع. فلذلك لا تكون المسألة إلا فقهية.
وقد اختلف في ذلك الناس. فأهل السنة يجيزون الرؤية عقلًا إذ كل موجود يصح أن يرى، والمعتزلة يحيلونها عقلًا ويرون أنه يلزم عليها أن يكون الباري تعالى في جهة، إلا أنهم اختلفوا هل يرى هو نفسه أم لا. فمنهم من أجاز ومنهم من منع.
وأما وقوع الرؤية فأهل السنة متفقون على أنه تعالى يرى في الآخرة ومستندهم في ذلك إلى الإجماع من الأولين من ابتهالهم إلى الله تعالى في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم وإلى الكتاب العزيز. وأقوى ما يدل عليه فيه قول سيدنا موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] . وإلى السنة كقوله عليه الصلاة والسلام: (( وإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ولا تضارون ) )الأحاديث في ذلك كثيرة لا تنحصر.
وأما المعتزلة فأنكروا ذلك واستدلوا على امتناع الوقوع بقوله تعالى: {لن تراني} [الأعراف: 143] وبقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وأجاب أهل السنة عن هذا بأن معنى قوله تعالى: {لن تراني} أي لن تراني في الدنيا أي أن الرؤية إنما تكون في الآخرة. وقوله تعالى: لا تدركه
الأبصار معناه لا تدركه إدراك إحاطة به من جوانبه كام تحيط الرؤية بالأجسام. ويجوز أن يريد لا تدركه الأبصار في الدنيا، فهو عام أريد به الخصوص.
وقد اختلف أهل السنة هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء ربه تعالى بعيني رأسه أم لا؟ وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت لمن سألها عن ذلك: (( قف شعري لما قلت ) )وهذه الرؤية في الآخرة من أعظم ما ينعم الله تعالى به على عباده المؤمنين. فلا يجوز أن يراه الكفار. ولم يزل الناس مجمعين على ذلك حتى نشأ رجل يعرف بأبي الحسن بن هاشم البصري وقال إ، الكفار يرون ربهم يوم القيامة. وتبعه على ذلك قوم وهو خطأ صراح. فإن الله تعالى يقول في الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] والنظر بقصد ذلك.