هُوَ مِيزَانُ الْحُقُوقِ ، مَتَى وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ وَالْجَوْرُ - لِأَيِّ سَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ مِنَ الْعِلَلِ - زَالَتِ الثِّقَةُ مِنَ النَّاسِ ، وَانْتَشَرَتِ الْمَفَاسِدُ وَضُرُوبُ الْعُدْوَانِ بَيْنَهُمْ ، وَتَقَطَّعَتْ رَوَابِطُهُمْ الِاجْتِمَاعِيَّةُ ، وَصَارَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا ، فَلَا يَلْبَثُونَ أَنْ يُسَلِّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَعْضَ عِبَادِهِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ مِنْهُمْ ، فَيُزِيلُونَ اسْتِقْلَالَهُمْ ، وَيُذِيقُونَهُمْ وَبَالَهُمْ ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ الَّتِي شَهِدْنَاهَا فِي الْأُمَمِ الْحَاضِرَةِ ، وَشَهِدَ بِهَا تَارِيخُ الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ ، وَلَكِنَّ الْجَاهِلِينَ الْغَافِلِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ; فَأَنَّى يَعْتَبِرُونَ وَيَتَّعِظُونَ ؟ !
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) أَيْ وَلَا يَكْسِبَنَّكُمْ وَيَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ
وَعَدَاوَتُهُمْ لَكُمْ ، أَوْ بُغْضُكُمْ وَعَدَاوَتُكُمْ لَهُمْ ، عَلَى عَدَمِ الْعَدْلِ فِي أَمْرِهِمْ بِالشَّهَادَةِ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ إِذَا كَانُوا أَصْحَابَ الْحَقِّ ، وَمِثْلُهَا هُنَا الْحُكْمُ لَهُمْ بِهِ ، فَلَا عُذْرَ لِمُؤْمِنٍ فِي تَرْكِ الْعَدْلِ وَعَدَمِ إِيثَارِهِ عَلَى الْجَوْرِ وَالْمُحَابَاةِ ، بَلْ عَلَيْهِ جَعْلُهُ فَوْقَ الْأَهْوَاءِ وَحُظُوظِ النَّفْسِ ، وَفَوْقَ الْمَحَبَّةِ وَالْعَدَاوَةِ مَهْمَا كَانَ سَبَبُهُمَا ، فَلَا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْعَدْلَ فِي الشَّهَادَةِ لِلْكَافِرِ ، أَوِ الْحُكْمُ لَهُ بِحَقِّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ .